نذير حمدان
279
حكمة القرآن والحضارة
إنها حكمة متغلغلة في أعماق التاريخ والكون قائمة على فعالية الحضارات في الفكر والسلوك والإنجازات الفردية والجماعية وهو مفهوم ( مبدع ) عن أي مفهوم آخر للحكمة في المعارف العلمية والعملية من خلال الأطر الفلسفية وغير الفلسفية . و ( الحكمة البالغة ) واقعة في العالم الحاضر أيضا ما دامت إنذاراتها من زلازل وفيضانات وأعاصير أرضية تترى ، وعلى مسمع ومرأى منا ، فإن الاعتبار بها أكثر خطورة وأبلغ آثارا من اعتبارات الماضي والتاريخ ، والمسألة تتعاظم ملايين وملايين المرات في الأحداث الفضائية والكونية ، فهناك مذنبات وكويكبات اصطدمت بالكواكب مثل عطارد والأرض ، وتركت آثارها في حفر هائلة في كل مكان ، . . . . ويمكن للشمس أن تكون في طريقها إلى استنفاد طاقتها ، كما أن نجوما تنفجر بما قد يهدد كوكبنا ، بل إن الفضاء نفسه فيه ما يدل على عدم استقراره ، وأن الكون هشّ ومتفجر يمكن أن تكون به نهاية العالم « 1 » . ومن هذه الاعتبارات المحاولات الممكنة للتخفيف من وقع الإنذارات ومصائبها إن لم يكن الخلاص منها ، وأخذ الحيطة العلمية والعملية اللازمة للإفادة من القوى الطبيعية الهائلة لمصالح الإنسان ، والتعاون البيئي الأممي في دفع شرورها وويلاتها وآثارها ، وضرورة إبراز الجانب الإلهي الوعظي من الحوادث الكونية المدمرة للأوبة إلى خالق هذه الحوادث ومن ثم للعمل من قبل ومن بعد على احتوائها إن أمكن بالقيام بمنشآت وقائية وأخرى علاجية وثالثة بنائية . وإن توجيه الرسول للأعرابي ( اعقلها وتوكل ) من الحكمة البالغة التي تعد قاعدة دينية وحضارية . فالمحافظة على المؤسسات الدينية والدنيوية من الدمار الواقع والمتوقع من الحكمة البالغة التي أمر اللّه أن يدفع ( النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) . وازدهار الاقتصاد الإسلامي وقوة المسلمين مدنيا وعسكريا من خلال علومهم ومعارفهم المتقدمة من الحكمة البالغة التي توجّه المسلمين إلى ( المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى اللّه من المؤمن الضّعيف ) . ففي الحكمة البالغة قوى سالبة لا بدّ من أن تتجنب أو يخفف من شرها وفيها قوى إيجابية لا بدّ أن تساهم في بناء الحاضر والمستقبل . وإلّا فإن تضييع هذه الحكمة فقدان للعقول الحكيمة والنفوس المدبرة ، وإسهام في تراكم التواكل والتقصير وتعطيل للقدرات الفاعلة المبدعة .
--> ( 1 ) النهاية : كلوز بتصرف طفيف .